العرب والعالم

البيان اللبناني يضع قاعدة: سيادة الدولة شرط للعلاقات مع طهران

بيروت | الأحد 30 أغسطس/آب 2026 | The Verificat

مقدمة

دخلت العلاقة اللبنانية الإيرانية مساء الأحد مرحلة سياسية أكثر صراحة بعدما ردت وزارة الخارجية والمغتربين على تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن العلاقات مع بيروت، مؤكدة أن لبنان يريد أفضل العلاقات مع إيران، لكن هذه العلاقات يجب أن تُدار حصراً عبر المؤسسات الدستورية والشرعية للدولة. البيان اللبناني استخدم لغة دبلوماسية هادئة لكنه رسم قاعدة واضحة: العلاقات بين الدول تُبنى مع الدول ومن خلالها، واحترام السيادة مبدأ متبادل لا يقبل الانتقائية. هذه الصيغة تجعل المسألة أكبر من سجال بروتوكولي؛ فهي تتصل مباشرة بنقاش لبناني داخلي حول حصرية القرار السياسي والأمني وحدود أدوار القوى غير الحكومية في العلاقات الخارجية.

البيان اللبناني يضع قاعدة: سيادة الدولة شرط للعلاقات مع طهران

الرسالة الأساسية: لا قنوات موازية

قالت الخارجية إن «العقلانية» في العلاقات الدولية تفترض التعامل مع الدول من خلال مؤسساتها الدستورية والشرعية، لا عبر فاعلين أو فصائل داخلها. المعنى العملي لهذا الموقف هو رفض أي تعامل خارجي مع حزب أو قوة لبنانية على نحو يُفهم منه تجاوز الحكومة أو الرئاسة أو وزارة الخارجية. الوزارة قدّمت مثالاً مقابلاً: كما أن إيران أو أي دولة مضيفة لن تقبل أن يتجاوز سفير لبناني سلطاتها ليتعامل مع أطراف داخلية خارج مؤسساتها، فإن لبنان لا يقبل الأمر نفسه على أراضيه. هذه المقارنة تمنح البيان منطق المعاملة بالمثل بدل أن يظهر كخصومة خاصة مع طهران.

لماذا يأتي الرد الآن؟

البيان يأتي في لحظة داخلية حساسة، حيث باتت مسألة حصرية السلاح والقرار الرسمي في قلب الخطاب الحكومي والرئاسي، فيما تتواصل مناقشات حول الجنوب والجيش والعلاقات مع الأطراف الإقليمية. لذلك فإن أي تصريح إيراني عن التعامل مع «مكونات» لبنانية يُقرأ محلياً ضمن سؤال أوسع: من يمثل لبنان في الخارج ومن يملك حق التفاوض أو تقديم الالتزامات السياسية؟ الخارجية تحاول هنا إعادة تعريف نقطة البداية: يمكن لبيروت وطهران أن تختلفا أو تتفقا، لكن قناة العلاقة يجب أن تكون الدولة.

لبنان لا يغلق باب العلاقة

رغم حدة المبدأ، تجنب البيان لغة القطيعة. الوزارة قالت إن لبنان سعى ولا يزال يسعى إلى أفضل العلاقات مع كل الدول بما فيها إيران، وأشادت بفكرة العقلانية والانفتاح والروح البناءة. هذا التفصيل مهم لأن الخطاب ليس دعوة إلى مواجهة دبلوماسية، بل محاولة لوضع حدود للعملية نفسها. في العلاقات الدولية، يمكن لدولتين أن تحتفظا بعلاقة طبيعية حتى مع وجود خلافات كبيرة، إذا اتفقتا على قواعد السيادة والتمثيل الرسمي وعدم التدخل. لهذا فإن تطور الملف سيُقاس بما إذا كانت طهران ستتعامل مع الموقف كقاعدة تنظيمية أم كرسالة سياسية موجهة ضد نفوذها.

أثر الملف على حزب الله

لا يذكر البيان حزب الله بالاسم في الصياغة التي نقلتها المصادر، لكنه يستخدم مصطلحي «فاعلين» و«فصائل» بطريقة تجعل السياق اللبناني واضحاً. أي قراءة مسؤولة يجب أن تفصل بين ما قالته الوزارة حرفياً وبين الاستنتاج السياسي. الحقيقة المثبتة هي أن بيروت تطالب بالتعامل عبر المؤسسات الشرعية. أما اعتبار البيان موجهاً حصراً إلى حزب الله فهو تفسير سياسي منطقي في السياق لكنه ليس نصاً صريحاً. هذا الفصل مهم لأن صياغة الخارجية تبدو متعمدة لتأسيس قاعدة عامة يمكن تطبيقها على أي دولة أو فصيل، لا على طرف واحد.

السيادة كمعيار قابل للقياس

مفهوم السيادة يصبح مفيداً فقط عندما يتحول من شعار إلى سلوك مؤسسي. بالنسبة لوزارة الخارجية، أحد الاختبارات هو أن تمر الاتصالات الرسمية والزيارات والالتزامات عبر القنوات المعترف بها. وبالنسبة للحكومة، الاختبار الأكبر هو أن تكون القرارات الأمنية والخارجية متناسقة مع المؤسسات الدستورية. هذا لا يمنع الأحزاب من امتلاك علاقات سياسية أو فكرية خارجية، لكنه يفرق بين علاقة حزبية وبين تمثيل الدولة أو التحدث باسمها. إذا نجحت بيروت في تثبيت هذا الفرق، يمكن أن تقل النزاعات حول من يفاوض ومن يلتزم ومن يتحمل مسؤولية النتائج.

كيف يمكن لطهران أن ترد؟

هناك أكثر من مسار محتمل. يمكن لإيران أن تؤكد احترام الدولة اللبنانية مع استمرار علاقاتها السياسية مع حلفائها ضمن إطار غير رسمي، وهو المسار الأقل تصعيداً. ويمكن أن تعتبر البيان استهدافاً لنفوذها وترد بخطاب أكثر صراحة، ما يفتح أزمة دبلوماسية. حتى لحظة إعداد هذا التقرير لم يظهر رد إيراني تفصيلي على البيان اللبناني في المصادر المستخدمة. لذلك من المهم عدم استباق الموقف. ما سيحدد الاتجاه هو لغة وزارة الخارجية الإيرانية والسفارة في بيروت وطبيعة اللقاءات الرسمية المقبلة.

الانعكاس على العلاقات العربية والدولية

الموقف اللبناني قد يلقى دعماً من دول عربية وغربية طالبت طويلاً بأن تكون مؤسسات الدولة هي قناة القرار الخارجي والأمني. لكن هذا الدعم لا يكفي إذا بقي التطبيق انتقائياً. بيروت تحتاج إلى اعتماد القاعدة نفسها مع كل الدول: لا تدخل في المؤسسات الداخلية، ولا قنوات تتجاوز السلطة الرسمية، ولا تمثيل موازياً للسياسة الخارجية. الاتساق هنا يمنح لبنان قدرة أفضل على المطالبة باحترام سيادته من الجميع، بما في ذلك إسرائيل التي ما زالت عملياتها في الجنوب تشكل الخرق الأكبر والأكثر مباشرة للسيادة اللبنانية.

الخلاصة

بيان الخارجية اللبنانية ليس قطعاً للعلاقة مع إيران، بل إعادة تعريف لشروطها. الرسالة تقول إن بيروت تريد علاقة طبيعية ومفتوحة، لكنها تريدها بين دولتين، لا بين دولة وفصيل أو عبر قنوات موازية للمؤسسات. قوة هذا الموقف ستتوقف على اتساقه داخلياً وخارجياً وعلى قدرة الحكومة على تحويله إلى ممارسة لا مجرد نص. إذا قبلت طهران القاعدة، يمكن أن يصبح البيان أساساً لعلاقة أكثر وضوحاً. وإذا رفضتها، فإن لبنان وإيران سيدخلان اختباراً دبلوماسياً يختصر سؤالاً مركزياً في الدولة اللبنانية: من يملك حق التحدث باسمها؟

alkhaleej-news.net — البيان اللبناني يضع قاعدة: سيادة الدولة شرط للعلاقات مع طهران
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى