اقتصاد

أسواق الطاقة ترتفع مع تراجع حركة السفن في مضيق هرمز

The Verificat + رويترز

سجلت حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز هبوطاً إلى أدنى مستوياتها منذ أيار، وفق بيانات تحليلات تشير إلى أن التصعيد العسكري واستهداف ناقلات في المنطقة أصبح يؤثر فعلياً على قرارات شركات الشحن ويشكل ضغطاً على أحد أهم ممرات تجارة الطاقة العالمية.

وبحسب بيانات شركة كبلر للتحليلات التي أوردتها رويترز، بلغ متوسط عبور سفن السلع عبر المضيق خلال الأيام العشرة الأخيرة نحو عشر سفن يومياً فقط. كما لم تغادر أي ناقلة نفط خام عملاقة المضيق منذ الأربعاء الماضي، في إشارة إلى تنامي حذر المشغلين من تعريض السفن والشحنات مرتفعة القيمة للمخاطر.

ولا تعني هذه الأرقام أن المضيق أُغلق، لكنها تكشف أن المخاطر الأمنية باتت كافية لتغيير قرارات الملاحة التجارية حتى من دون إعلان رسمي بوقف المرور.

أسواق الطاقة ترتفع مع تراجع حركة السفن في مضيق هرمز

من ممر استراتيجي إلى ساحة ضغط مباشر

جاء هذا الانخفاض عقب سلسلة هجمات وضربات متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران طالت ناقلات وسفن قالت الجانبان إنها مرتبطة بهما، ما نقل التوتر في هرمز من مجرد تهديد سياسي إلى تأثير ملموس على حركة التجارة البحرية.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت ثلاث ناقلات إيرانية رداً على هجمات طالت سفناً حربية أميركية، فيما أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ عمليات ضد ناقلات وسفن قال إنها مرتبطة بالولايات المتحدة.

وتظل بعض التفاصيل حول حجم الأضرار وطبيعة الأهداف ضمن روايات عسكرية متبادلة لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة بالكامل.

وفي موازاة ذلك، سجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO عشرات الحوادث المرتبطة بالمقذوفات والهجمات البحرية في المنطقة منذ تموز، وهو ما زاد القلق لدى شركات الملاحة وشركات التأمين.

أثر التصعيد على الأسواق

ترجم التوتر بسرعة إلى أسواق الطاقة؛ فارتفع خام برنت إلى قرابة 96.80 دولاراً للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 92.14 دولاراً مع بداية الأسبوع، بعد مكاسب سجلها الخامان في الأسبوع السابق.

ولا تعكس هذه الارتفاعات فقط احتمال فقدان إمدادات فعلية، بل تشمل أيضاً ما تعرفه الأسواق بـ«علاوة المخاطر»: ارتفاع تكاليف التأمين، وتأخير الشحنات، وانتظار السفن خارج مناطق الخطر، واحتمال تعديل المشغلين لخططهم اللوجستية.

وتزداد حساسية السوق لأن مضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، فيما لا يوجد مسار بحري بديل قصير قادر على استيعاب كامل صادرات الخليج، كما أن خطوط الأنابيب البرية المتاحة لا تملك طاقة كافية لتعويض كل الكميات التي تعبر المضيق.

وبالتالي، قد يبدأ التأثير في الظهور قبل توقف الإنتاج نفسه؛ فاستمرار الحقول في الضخ لا يضمن وصول النفط إلى المستهلك إذا تعطل النقل البحري أو تباطأ.

قيود إيرانية محتملة وأسئلة قانونية

أعلنت إيران أنها تعتزم إعلان منطقة مقيدة في المضيق وفرض إجراءات على السفن التي تدخلها، لكن النطاق الفعلي لتلك الإجراءات وآليات تنفيذها ومدى توافقها مع قواعد الملاحة الدولية ستعتمد على النصوص الرسمية وطريقة التطبيق عملياً.

وبما أن هرمز ممراً دولياً حساساً، فإن أي محاولة لفرض قيود واسعة على العبور التجاري قد تثير اعتراضات من الدول التي تعتمد على حرية الملاحة.

وقد تُستخدم تهديدات تقييد الحركة كأداة ضغط سياسي وتفاوضي من جانب طهران، بينما قد تزيد واشنطن من مرافقة السفن أو حمايتها عسكرياً؛ لكن كلا الخيارين قد يرفع من احتمالات الاحتكاك وسوء التقدير.

وفي بيئة تتداخل فيها سفن عسكرية وناقلات تجارية وطائرات مسيّرة وأنظمة رادار، يمكن لأي خطأ في تحديد هوية سفينة أو تفسير تحرك بحري أن يؤدي إلى تصعيد أكبر بكثير من الحادث الأصلي.

ولهذا صارت قنوات الاتصال البحري وقواعد التحذير وتحديد مناطق الخطر أدوات مهمة ليس فقط دبلوماسياً بل لمنع سقوط ضحايا مدنيين واتساع المواجهة.

ماذا يجب مراقبته خلال الأيام المقبلة؟

المؤشر الأكثر أهمية وفق المحللين سيكون عدد السفن التي تعبر المضيق يومياً. وإذا استمر المتوسط قرب عشر سفن، فقد تبدأ آثار الأزمة بالظهور بوضوح في جداول تسليم الشحنات والمخزونات ومعدلات انتظار الناقلات في الموانئ.

أما عودة ناقلات النفط الخام العملاقة إلى حركة عبور منتظمة فستدل على تحسن الثقة الأمنية، وإن لم تعنِ بالضرورة انتهاء الخلاف السياسي أو العسكري.

ومن المؤشرات الأخرى التي ينبغي مراقبتها: أسعار التأمين البحري، وتحذيرات هيئات السلامة، وحركة السفن حول موانئ التحميل، ونشاط السفن التي توقف أجهزة التعريف الآلي AIS.

وقد تلجأ بعض السفن إلى إطفاء هذه الأجهزة لتقليل إمكانية تتبعها، لكن ذلك يحمل مخاطر كبيرة إذ يزيد احتمال الاصطدام ويعقّد عمليات البحث والإنقاذ عند وقوع حادث.

وينبغي اعتبار بيانات تتبع السفن مؤشرات متغيرة وليست صورة نهائية، ومقارنتها ببيانات الموانئ وشركات الشحن ومزودي تتبع الملاحة، لأن التأخر في استقبال الإشارات أو إيقافها قد يؤدي إلى اختلافات مؤقتة في الأرقام.

البحارة وكلفة استخدام التجارة البحرية كأداة ضغط

أحد أهم نتائج هذا التصعيد أن أطراف النزاع باتت تستخدم حركة التجارة البحرية كوسيلة ضغط، بينما يتحمل البحارة وشركات الشحن والمستهلكون جزءاً كبيراً من الكلفة.

ويحتاج ملاك السفن إلى تعليمات واضحة ومتناسقة من دول العلم والسلطات البحرية والموانئ وشركات التأمين، إذ قد يواجه ربان السفينة خيارات متعارضة بين الالتزام بعقد تجاري وبين حماية الطاقم والسفينة إذا اختلفت التحذيرات.

كما تبرز الحاجة لضمان قدرة فرق الإنقاذ على الوصول إلى السفن المصابة من دون اعتبارها طرفاً في الأعمال القتالية، فحماية البحارة وإجلاء المصابين تبقى التزاماً إنسانياً مستقلاً عن جنسية السفينة أو هوية مالكها أو طبيعة شحنتها.

ونظرياً يمكن إنشاء آليات إخطار محايدة أو تحديد ممرات وأوقات عبور أكثر أماناً إذا توصلت الأطراف إلى تفاهمات مؤقتة، لكن فعالية هذه الآليات ستظل محدودة ما لم يتوقف استهداف السفن التجارية.

انعكاسات محتملة على الموانئ والمخزونات

كلما طال تراجع حركة العبور، زاد احتمال تراكم السفن في موانئ التحميل أو مناطق الانتظار وارتفاع أجور التأخير، ما يجعل حركة الملاحة اليومية مؤشراً اقتصادياً وأمنياً قد يسبق انعكاس الأزمة في البيانات الرسمية بأسابيع.

وسيتفاوت أثر التوتر بين دولة وأخرى؛ فالدول صاحبة مخزونات استراتيجية كبيرة أو خطوط أنابيب بديلة قد تمتص الصدمة لفترة أطول، فيما قد تتعرض دول أصغر أو أكثر اعتماداً على شحنات محددة لتقلبات أكبر في الأسعار والإمدادات.

ويمكن للحكومات الحد من الذعر في الأسواق المحلية عبر نشر معلومات واضحة عن مستويات المخزون وخطط الطوارئ من دون الكشف عن تفاصيل أمنية حساسة، لأن الغموض والتصريحات المتناقضة قد يشجعان التخزين والمضاربة ويرفعان «علاوة المخاطر» أكثر من تأثير النقص الفعلي نفسه.

هرمز لم يُغلق… لكن سلوك السوق تغير

الأرقام الحالية لا تثبت أن مضيق هرمز مغلق أمام الملاحة، ولا تبرر توصيفات كارثية مطلقة، لكنها تقدم دليلاً واضحاً على أن المخاطر العسكرية بدأت تؤثر على قرارات شركات الشحن بصورة فعلية.

وبالتالي، لم يعد السؤال محصوراً في عدد الصواريخ أو الضربات أو البيانات العسكرية الصادرة عن الأطراف، بل بات عن عدد السفن التي ما زالت مستعدة للعبور، وحجم النفط والسلع التي تصل فعلياً إلى الأسواق.

وأي تهدئة مستدامة ستتطلب أكثر من وقف إطلاق نار مؤقت؛ إذ ستحتاج إلى ضمانات لحماية السفن غير المقاتلة وآلية للتحقيق في الحوادث ومنع تكرارها، وقنوات اتصال تقلل من مخاطر سوء التقدير. حتى ذلك الحين سيبقى مضيق هرمز واحداً من الحسّاسات الأساسية لقياس مدى تأثير التصعيد على التجارة العالمية.

alkhaleej-news.net — أسواق الطاقة ترتفع مع تراجع حركة السفن في مضيق هرمز
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى